الجاحظ
156
رسائل الجاحظ
فصل منه - ولما كان أعجب الأمور عند قوم فرعون السحر ولم يكن أصحابه قط في زمان أشد استحكاما فيه منهم في زمانه ، بعث اللّه موسى عليه السلام على إبطاله وتوهينه وكشف ضعفه وإظهاره ونقض أصله لردع الأغبياء من القوم ولمن نشأ على ذلك من السفلة والطغام ، لأنه لو كان أتاهم بكل شيء ولم يأتهم بمعارضة السحر حتى يفصل بين الحجة والحيلة لكانت نفوسهم إلى ذلك متطلعة ولا عتل به أصحاب الأشغال ولشغلوا به بال الضعيف ، ولكن اللّه تعالى مجده أراد حسم الداء وقطع المادة وأن لا يجد المبطلون متعلقا ولا إلى اختداع الضعفاء سبيلا ، مع ما أعطى اللّه موسى عليه السلام من سائر البرهانات وضروب العلامات . وكذلك زمن عيسى عليه السلام كان الأغلب على أهله وعلى خاصة علمائه الطب ، وكانت عوامهم تعظمهم على خواصهم ، فأرسله اللّه عز وجل باحياء الموتى ، إذ كانت غايتهم علاج المرضى وإبراء الأكمه ، وإذ كانت غايتهم علاج الرمد . مع ما أعطاه اللّه تعالى عز وجل من سائر العلامات وضروب الآيات . لأن الخاصة إذا نجعت بالطاعة وقهرتها الحجة وعرفت موضع العجز والقوة وفصل ما بين الآية والحيلة ، كان أنجع للعامة وأجدر أن لا يبقى في أنفسهم بقية . وكذلك دهر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كان أغلب الأمور عليهم وأحسنها عندهم وأجلها في صدورهم حسن البيان ونظم ضروب الكلام مع علمهم له وانفرادهم به ، فحين استحكمت لغتهم وشاعت البلاغة فيهم وكثر شعراؤهم وفاق الناس خطباؤهم ، بعثه اللّه عز وجل فتحداهم بما كانوا لا يشكون أنهم يقدرون على أكثر منه ، فلم يزل يقرعهم بعجزهم وينقصهم على نقصهم حتى تبين ذلك لضعفائهم وعوامهم ، كما تبين لأقويائهم وخواصهم ، وكان ذلك من أعجب ما آتاه اللّه نبيا قط ، مع سائر ما جاء به من الآيات ومن ضروب البرهانات . ولكل شيء باب ومأتى واختصار وتقريب ، فمن أحكم الحكمة إرسال كل نبي بما يفحم أعجب الأمور عندهم ويبطل أقوى الأشياء في ظنهم . [ 25 - اجتماع محامد الأخلاق في ) النبي حجة ] فصل منه : في ذكر أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام - وآية أخرى لا